الثلاثاء، 25 يناير، 2011

حكاوي القهاوي (18)

حكاوي القهاوي (18)
دكتور/ محمود ابورحاب
24/1/2011
http://acoc.eg14.com
(76)
هل نحن المغفلون؟
في حديث للشيخ القرضاوي على شاشة الجزيرة أوجز الرجل فأنجز عندما عقد لنا مقارنة بين فرعون موسى وما يجري في عصرنا الحديث من حكام الطغاة. قال الرجل لقد ذكر الله أسم فرعون في القرآن أربع وسبعين مرة في حين ذكر موسى عليه السلام ستة وثلاثين مرة، مما يشير الى شدة تحذير الله عز وجل من فرعون وأمثاله في كل العصور. فإذا كان فرعون موسى يمثله كل حاكم مستبد طاغية، فإن هامان فرعون إنما يمثله السياسيون الذين تجدهم في حاشية الحاكم وكذلك ترزية القوانين الذين يفصّلون كل شيئ كما يبغي الفرعون. كذلك كان قارون؛ فعلى الرغم من أنه من قوم موسى إلا أنه تضامن لتحقيق مصلحته الشخصية مع فرعون؛ فكان من الأركان الأساسية لحكم الفرعون. يمثل قارون في العصر الحديث تلك الرأسمالية المستغلة الفاسدة التي تتضامن مع الحاكم لتحقيق مصالحها. كذلك فإن جنود فرعون نجدهم اليوم ممثلين في رجال الأمن الداخلي الذي يتخلون عن الشعوب ويعذبونهم سواء في المظاهرات أو في سجون النظام فقط من أجل خدمة الفرعون، وقد وصفهم القرآن بأنهم لمجرمون وسيلقوْن مصير فرعون وسيغرقون معه في اليم. أما الشعب فإن الفرعون يسعى الى إستغفاله حتى يطيعونه ويؤلهونه كما في قوله عز وجل "فاستخف بهم". وقد ربط الرجل في دقة شديدة بين المجتمع والفرعون، فالمجتمع السيئ يفرز الحاكم الظالم. والشعب الذي يرى الحاكم الظالم ولا يرده فإن الله يوشك ان ينزل بهم العذاب. وتحتاج مواجهة الحاكم الظالم الى القيام بما فعله موسى؛ أي بالمعارضة السياسية الصادقة. ويجب على الشعب ألا يخشى شيئ في هذه المواجهة فالرزق مقسوم والأجل محتوم.
نفهم من ذلك أنه حتى يتمكن الفرعون من شعبه فيجب أن تكون له البطانة الفاسدة والرأسمالية المستغلة ورجال الأمن الذين يحمون الفرعون ويعذبون الشعب، ثم أخيراً  الشعب المغفل. وحتى يمكن لنا أن نسقط الفرعون يجب لنا أن نعارض بصدق وألا نخشى على أرزاقنا أو أرواحنا، فنكون مستعدون لمواجهة رصاص أمن الفرعون. نفهم أيضا أن حال مصر مع فرعون موسى أفضل من حالنا اليوم ذلك لأن فرعون موسى كان إلهاً فقط؛ وهامان كان رجل سياسة فقط وقارون كان رجل مال فقط، كما أن القرآن قد ذكر لنا عن فرعون وعن زوجته التي كانت من الصالحين؛ ولم يذكر لنا شيئاً عن أبناء فرعون أو أزواج بناته واستغلالهم لسلطة الفرعون. فهل كان فرعون عاقراً أم أنها ميزة تحسب له على الفراعنة المحدثون.  فراعنة اليوم ليس كفراعنة الأمس؛ لقد صار قارون عضو لجنة السياسات في الحزب؛ بل وشغل كرسي هامان فصار وزيراً، كما تم تخصيص الأراضي لهامان في التجمعات الجديدة، واستولى على التوكيلات والمشاريع فصار مثله كمثل قارون. كما لم يكتفي الفرعون بالألوهية بل تقاسم الأرباح مع هامان وقارون. أمران لم يزدادا سوءا على ما أعتقد منذ فرعون موسى الى عصرنا الحديث وهما الشعب المغفل وكذلك رجال الأمن الداخلي الذين لهم نفس الزي الرسمي ونفس الأداء وذات المصير. الشيئ المفقود في عصرنا الحديث هو موسى الذي يبدو أنه رحل إلى تونس وبلاد أخرى غيرنا، فبقينا على ما نحن فيه؛ ذلك لأننا شعب يخاف على رزقه وعلى روحه، وأننا بنيان آيل للسقوط، فلو أن فينا موسى لغرق الفرعون ومن معه. تحية لكم أهل تونس ومبارك علينا.
(77)
عبقرية التجربة التونسية
إن لم نكن نملك علاجاً للغضب بإزالة أسبابه؛ فعلينا أن نجيد إدارته. هذا ما يجب علينا استيعابه سواء كان على مستوى  الفرد أو الجماعة أوالسلطة. فسوء معالجة الغضب أوإدارته سيؤدي حتماً الى الإنفجار الذي قد يأخد شكلين، الشكل الأول هو الإنفجار للداخل كما يجسده لنا سلوك إيذاء الذات بدءاً من الإدمان على المخدرات وحتى إقدام المرء على الانتحار، الشكل الثاني وفيه يكون الإنفجار إلى الخارج؛ كما هو الحال في حالات الإعتداء على الآخرين وأرواحهم أوعلى الممتلكات الخاصة والعامة. حرية التعبير والتظاهر والاضراب كلها أشكال محمودة لإدارة الغضب؛ في حال عدم القدرة على التعامل مع أسبابه. ولكن عندما تحول السلطة بين ممارسة هذه الأشكال السلمية فلن يبقى لنا سوى إما الإنفجار للداخل فتتزايد أعداد المدمنين ومحاولات الإنتحار، أو أن يكون الإنفجار للخارج فيجرى مثل ما جرى في أحداث 18 و 19 يناير عام 1977. هناك الكثيرون ممن ينفجر غضبهم للداخل كما فعل بوعزيزي ولا يتحرك أحد؛ ولكن تجسدت عبقرية التجربة التونسية في تحول الغضب من كونه موجهاً إلى الداخل بإحراق بوعزيزي لنفسه إلى التحرك المباشر للتعامل ولعلاج أسباب الغضب بإزالتها. وهنا جاء قرار الشعب التونسي بالخروج والعصيان المدني السلمي حتى تزول السلطة المستبدة، وبأقل قدر من الخسائر الناتجة عن أي عدوان للخارج من تدمير للممتلكات العامة والخاصة. عبقرية التجربة التونسية تجسدت في كيفية تحول شرارة بو عزيزي إلى تحرك ثوري شعبي ضد اسباب هذا الغضب. من يريد محاكة التجربة التونسية فلا يحاكيها في حرق نفسه كما فعل بو عزيزي، بل يحاكيها في التحرك الشعبي. من يريد محاكاة التجربة التونسية فعليه أن يضع نصب عينيه أنه إنما يطبق إسلوباً فعالاً في علاج الغضب بإزالة اسبابه وليس الوقوف عند حد إدارة مشاعر الغضب مع ترك الأسباب على حالها كما هي. هذه هي عبقرية التجربة التونسية؛ وعلينا أن نثق في نجاحها فهي مجربة ومضمونة النتائج وهروب بن علي خير دليل. ولكن هناك شروط يجب الإلتزام بها لضمان النجاح، وهذه الشروط هي خروج الشعب للشارع وعدم العودة للمنازل مهما طال الوقت وإن استمر الأمر لشهور حتي تزول أسباب الغضب ويسقط النظام. لهذا فنحن لسنا بحاجة الى بوعزيزي لإشعال الشرارة لأنها بالفعل مشتعلة، نحن فقط في حاجة إلى تطبيق ما تعلمناه من التجربة التونسية. كان بوعزيزي شرارة الثورة في تونس ؛ وتونس الآن هي شرارة الثورة لنا. 

الاثنين، 24 يناير، 2011

حكاوي القهاوي (16)

حكاوي القهاوي (16)
دكتور/ محمود ابورحاب
19/1/2011
http://acoc.eg14.com

(71)
موامس النظام
     كان من الطبيعي عندي أن يرفض الشعب التونسي إشراك كل رموز النظام السابق في الحياة السياسية أو في التشكيل الوزاري الجديد. فهؤلاء في نظري مجرد موامس أو عاهرات يمارسون الدعارة السياسية. والمقارنة بين موامس الجنس وموامس السياسة أمر حتمي هنا. فكما هو معروف فإن المومس إنما تؤدي مهمة ولا تمارس أبداً حبا. بمعنى أنها تفعل ما تفعله لتبسط الزبون نظير مقابل مادي يتم تحديده حسب قيمة المومس في السوق فمن الممكن أن تجد مومس فقط بعشرة جنيهات مصرية؛ وأيضا من الممكن أن تجد مومس بخمسين ألف دولار أمريكي لليلة واحدة. الفارق بينهما في الوجاهة والشياكة والقيمة الاجتماعية للمومس، فلا يمكن أن تتساوى مومس من حي شعبي فقير بأخرى عضوة في نادي إجتماعي راقي. أو أن تتساوى مومس لا تعرف القراءة والكتابة مع مومس حاصلة على شهادة عالية. كما يتحدد الأجر أيضاً حسب أداء المومس، إلا أنهم جميعاً يتفقون في سعيهم وقناعتهم بضرورة إرضاء الزبون. كما يتفقون في أنهم جميعاً منفصلون عما يقومون به؛ بمعنى أنهم يؤدون أداءاً لا متعة فيه أو حب ودون إيمان بما يفعلون. هم فقط يسعون لإرضاء الزبون، فتسمع الزبون ما يتمنى أن يسمعه من أصوات لتوهمه أنها مستمتعة وأنه الفارس المغوار الذي يفعل ما لم يفعله أحد من قبل بها. وأوضح دليل على ذلك هو أن كثير ممن يمارسن الدعارة عن طريق التليفون يسمعن الزبون كل ما يرغب في سماعه من أصوات؛ وقد تكتشف أنها كانت تقرأ الجريدة أثناء ممارستها لهذا النوع من العمل. فالمومس الذكية تقوم بعمل كل الحركات التي تضمن لها بدوام الإستمرار على قائمة المطلوبين لدى الزبون. أغلبهن يمارسن الدعارة حباً وجشعاً في المال وفي الحصول على أية مزايا أخرى؛ والبعض الأخر للحقيقة يفعل ذلك مضطراً؛ بحثا عن ثمن دواء أو لدفع ضر أحد البلطجية الذي سيكيد لها إن لم تفعل.
     أعتقد أن الحال لا يختلف كثيرا بين المومس في عالم الدعارة الجنسية والمومس في عالم الدعارة السياسية. فالمسئولين السابقين في الحكومة وأعضاء الحزب الحاكم ذو القاعدة العريضة في الشعب ورجال الأمن الداخلي هم مجرد موامس يفعلون كل ما من شأنه أن يسر النظام. وكل مومس من هؤلاء له قيمة في سوق العمل السياسي ولدى قائد المسيرة، فمن الممكن أن تجد من يتقاضى ألآف الدولارات وآخر يعمل فقط مقابل جنيهات زهيدة. وقد تجد من يسعد ويتمسك بالدعارة السياسية كمهنة بل ويفخر بكونه مومس؛ كما أنه ملتزم بتوقيع الكشف عليه لدى أجهزة النظام لضمان خلوه من أية أمراض مثل الشرف والأمانة. وقد تجد بعضهم وهم قلة يفعلون ذلك إضطراراً؛ لدفع الضر عنهم أو للبقاء حيا. الشياكة والوجاهة الإجتماعية أيضاً لها ثمنها في عالم الدعارة السياسية؛ فلا يمكن أن يستوي في الأجر بلطجي يحمل مطواته لترهيب أعداء النظام، أو بوق كريه يطلع كل يوم علينا في شاشات التليفزيون ليعدد لنا محاسن النظام، مع رئيس تحرير جريدة أو رتبة كبيرة في قوات الأمن الداخلي أو مومس بدرجة وزير. كما أن نوعية الأداء وجودت حقارته تحدد الأجر الذي يحصل عليه موامس النظام. وجميع هؤلاء على اختلاف طبقاتهم يتفقون في شئ واحد هو إرضاء بئس العابدين بن علي. كما أنهم جميعاً منفصلون عما يقومون به؛ فهم مجرد أدوات لإرضاء الزعيم. وأعتقد أنه لهذا كان يسيراً على هؤلاء إنضمامهم للوزارة الجديدة المؤقتة بعد الإطاحة بالرئيس، فالواقع بالنسبة لهم أنه مجرد زبون وأنهم حسبما تقتضيه أصول ممارسة مهنة الدعارة السياسية عليهم القيام بكل ما يمكن أن يقوموا به من حركات من أجل إشباع رغبات ونزوات الزبون؛ ذلك من أجل ضمان بقائهم على القائمة المفضلة له. إن كل ما حدث في نظرهم من إسقاط للنظام في تونس؛ فقط أنه قد تم تغييرأسم الزبون. الدليل على أن هؤلاء مجرد موامس لأي مسئول يدفع أو نظام؛ أنهم لم يستحوا وأمروا بضرب المتظاهرين الذين لولاهم لما استمروا في السلطة إلى الآن. فهؤلاء الموامس يعتقدون أن بقائهم في السلطة لم يأتي إلا بسبب أدائهم الجيد كموامس سياسية؛ وأنهم يعرفون ما هو مرغوب من حركات دون أن ينطق الزبون. فهم موامس مرخصون؛ محترفون؛ ولائهم لمن يدفع طالما كان قادراً على دفع الثمن. الحال كذلك مع قوات الأمن الداخلي الذين لم يستحوا بعد كل هذه الأحداث ولم ينضموا الى الشعب كما فعل الجيش، وإنما سارعوا بممارسة ما يعرفونه من دعارة للنظام بضرب هؤلاء المتظاهين عند أول فرصة سنحت لهم، طالما جاءهم الأمر من سيدهم وطالما أنه سيدفع لهم الثمن.
     علينا أن نقرر أيضا أن الجيش في تونس ليس ضمن هؤلاء الموامس لذلك كان رفضه للمشاركة في ممارسة الدعارة؛ تلك المهنة التي لم يمتهنها يوما. فالجيش في تونس هو في علاقة حب وإخلاص وولاء لتونس الدولة وليس السلطة أو الرئيس. الجيش في تونس لا يحقق رغبات من له يدفع. يستحيل على الشريف أن يمسي بين ليلة وضحاها مومسا؛ يفعل كل الحركات التي تسعد سيده. فلا سيد للجيش إلا الوطن؛ الذي يرتبط به في علاقة شرعية لا خيانة فيها ولا دعارة. وللحق كان بعض رجال الأمن الداخلي الذين أجهشوا بالبكاء فرحاً وكفوا أيديهم عن أذى إخوانهم؛ أشبه بمن امتهنت الدعارة من أجل إطعام أبنائها أو بالإكراه من أجل دفع الضر، لهذا ندعوا لهم الله أن يتقبل توبتهم.
     لهذا كله كان من الطبيعي جداً في تصوري بل ولزاماً على الشعب التونسي أن يخرج الى الشوارع ثانية رافضاً هؤلاء الموامس؛ رافضاً إشراكهم في الوزارة وفي الحياة السياسية الجديدة، فالشعب ببساطة يريد زواجاً شرعياً يتميز بالولاء والحب والإخلاص بين أطرافه. لهذا أتت رسالتي هذه لأقول "يا شعب تونس إحذروا موامس النظام".
(72)
أقولها لك مجدداً إرحل أيها الرئيس
     بالأمس  تحت عنوان "إرحل أيها الزعيم" كتبت أقول:
"ماذا لو أن عائلة الزعيم قرأت جيداً والحاشية، ماذا لو أنهم قد أدركوا أن النهاية حتماً آتية. ماذا لو قرروا قلب ملهاته إلى تراجيديا باكية. ماذا لو أنهم ركنوا على  أن قلوب العوام دوما حانية. هل يمكن للإبن أن يقتل أباه؟!! أيدسّون السُم للزعيم؛ طمعا في كرسي باليا؟!! ويقيمون المآتم فيأتى الكل باكيا؟!! ويخر الرعاع سجدا؛ داعين لهم بالبقاء ما طاب لهم أن يبقيا.
     لم تكن هذه مجرد كلمات أهذي بها، بل كانت استشعاراً لما يمكن أن يحدث في المستقبل. وعجباً إذ أن هذا المخطط بالضبط هو ما كشفت عنه ونقلته البرامج الاخبارية المتابعة للشأن التونسي وما يجري فيها من أحداث؛ فقد ذكرت الأنباء أن ليلى زوجة بئس العابدين بن على كانت قد قررت التخلص من زوجها وحددت لذلك موعداً في عام 2013؛ وبنفس الاسلوب الذي تخلص فيه زوجها من الحبيب بورقيبة، وذلك بأن يتم إقالة الرئيس من منصبه بحجة تدهور حالته الصحية؛ وتقوم هي بترشيح نفسها للرئاسة؛ ليقوم أخواتها وحاشيتها بتنظيم المظاهرات ليخرج الشعب فيها مؤيداً ومهللاً لتصبح هي رئيسة الدولة خلفاً لزوجها. السؤال الآن لماذا تفكر هي في هذا المخطط الشيطاني وهي التي بيدها مقاليد كل شيئ؟!! ماذا ينقص هذه الزوجة حتى تنقلب على زوجها الرئيس. الاجابة أنها استشعرت ضعفه وأدركت أنه لا فائدة من بقائه حيا؛ فلماذا إذن تنتظر حين يموت؛ فقد يحدث في الأمور أمور لا تُحمد عقباها. لماذا إذن لا تقوم هي بهذا الإنتقال للسلطة المأمون العواقب. فتضمن بقائها وعائلتها على رأس الحكم محافظين على كل مكتسباتهم ومغانمهم التي قد غنموها طول سنوات الحكم الطويلة. هذا السيناريو الشيطاني استشعر دائما أنه وارد في عقول عائلات كثير من قادة بعض بلدان العالم العربي. نعم إذا ماشعرت عائلة الرئيس أن الأب أصبح ضعيفاً غير قادراً على حكم الأمور وأن هناك إحتمالية أنقلاب الشعب عليهم؛ وأنهم سيفقدون كل مكاسبهم التي حققوها. فإنهم حتما سيدبرون المكائد مثلما كانت تدبر ليلى زوجة بئس العابدين بن علي. قد تقايض عائلة الرئيس أباهم؛ أنْ البقاء حياً مقابل إنتقال سلمي للسلطة لهم ومباركته له في العلن. إذا ما حدث هذا؛ فأعتقد أن القتل هو مصير أبن الرئيس عندما يصير رئيساً؛ ليلقى هو ما كان أبوه حتما سيلقاه بأيدي أبناء الشعب الثائر. شكراً لبوعزيزي؛ شكراً لشعب تونس الذي أفسد المخطط الشيطاني لزوجة بئس العابدين بن على؛ بل وأفسد مخططات كل العائلات الحاكمة في بلادنا العربية. لهذا أقول دائما لهؤلاء القادة "إرحلوا قبل أن تُقْتَلوا؛ إرحلوا قبل نهاية لكم دامية، فالثورة لا محالة آتية".
(73)
عفواً هناك فرق
     في تونس أكثر من ثمانين بالمائة من الشعب يمتلك مسكنه بينما لدينا كثيرون يسكنون العشوائيات. في تونس الشعب معظمه إن لم يكن كله لا يخشى المرض فلديه تأمين صحي بينما نحن ترعبنا مجرد فكرة الإصابة بالمرض. في تونس تكاد لا توجد أمية بينما لدينا بعد التلاعب في الإحصائيات؛ أربعون بالمائة من الشعب أمي. في تونس دخل الفرد ستة ألآف دولار أمريكي في الشهر بينما لدينا أربعون في المائة من السكان تحت خط الفقر. في تونس أحرق بوعزيزي نفسه وقال للشعب ثوروا فلبوا النداء، بينما لدينا يعلوا الصراخ كل يوم أن أفيقوا وقولوا لا؛ ولكن كأن الحديث كان للأموات. لدينا إذا ما انفجر إطار سيارة نسبوه إلى القاعدة، أما في تونس ورغم كل مساوئه فقد رفض بئس العابدين بن على أن يلقى على القاعدة باللوم بأن لها يداً في الأحداث، خوفاً على تونس من أن تتأثر بها السياحة. فهل يعني هذا أنه حتما هناك فرق بيننا وبينهم هناك. 

الأحد، 23 يناير، 2011

حكاوي القهاوي (17)


حكاوي القهاوي (17)
دكتور/ محمود ابورحاب
22/1/2011
http://acoc.eg14.com
(74)
خرج ولم يعد
كنت أتصور خطأ بعد اشتعال الثورة الشعبية في تونس وهروب بئس العابدين بن علي؛ أننا ندرك ميزة أن نخبنا السياسية موجودة داخل البلاد وليس خارجها كما كان الحال في تونس. كنت أتصور خطأً أن هذه النخب ستخرج وتقود الجماهير في مظاهرات حتى يحدث الهروب الكبير. إلا أنني فوجئت أن هذه النخب هي التي اختفت في ظروف غامضة. أعتقد أن حال نخبنا الأشاوس يتشابه وحال المسجونين الذين يفرج عنهم بعد قضاء عقوبة السجن لمدد طويلة كعقوبة المؤبد مثلاً. يظن هؤلاء المسجونون أن الدنيا في انتظارهم لولا هذا السجن اللعين؛ وأنهم سيفعلوا كل ما حلموا به يوماً حين يخروجون. يقضي هؤلاء أيام سجنهم لاعنين السجن وأيامه، ولكن حين يأتي يوم الإفراج تجدهم مرعوبين من الحرية فيما يمكن أن نطلق عليه  "الخوف من الحرية". وقد جسد محنتهم بصدق الفنان محمود عبد العزيز في فيلم "سوق المتعة"؛ فإذا بهم مصابون بالعجز الجنسي؛ لا يملكون سوى سيوف خشبية؛ أقصى طموحاتهم ممارسة العادة السرية؛ صانعين بطولات دونكشوتية مع أجمل نساء الأرض في الخيال. هؤلاء المسجونون تجدهم من شدة رعبهم من الحرية جالسين القرفصاء متمنين العودة الى العالم الذي يعرفونه على الرغم من كل مساوئه؛ لأنهم يحفظونه عن ظهر قلب. اكتشفت للأسف الشديد أن النخب في بلادنا وهم الذين كانوا يملئون الدنيا صراخاً  ضد الطاغية،؛ وكانوا حالمين بيوم سقوطه والحرية؛ وأنهم سيفعلون وسيفعلون ثم سيفعلون، أكتشفت أنهم لا يجيدون سوى الاستنماء الثوري؛ وأن سيوفهم أيضاً خشبية. لهذا فعلى شبابنا شباب 6 ابريل وشباب كل شهور السنة أن يخرجوا دون أنتظار للنخب. تلك النخب التي إن تحدثت؛ تردد على مسامعنا أن تونس تجربة ليس بالضرورة أن تتكرر. وقد يصل بهم غداً التبجح فيقولوا أننا غير تونس؛ وأننا التاريخ وأننا الحضارة وليس التوانسة هم الذين سيقولوا لنا ما الذي علينا أن نفعله. أخشى ما أخشى أن نكتشف يوما أن النخب الأشاوس عندنا قد عقدوا إتفاقاً للصمت. إذا كان ذلك كذلك فأقول مستلهما المخرج خالد يوسف في أحد أفلامه؛ أقول للنخبة أيا غواني رخيصة؛ يوماً سيقول أسيادكم حين يقضوا منكم غاية "حين ميسرة".
(75)
بالأمر المباشر يا  كلاب
فجأة تحولت كل منابر المساجد والقنوات التليفزيونية سواء الحكومية أو الخاصة؛ تحول الجميع بالأمر المباشر الى الحديث عن تحريم حرق المرء لنفسه؛ وأن مصير الفاعل حتماً النار. كما خرج علينا في شاشات التليفزيون بعض ممن حاولوا الإنتحار حرقاً ليقسموا لنا أنهم لم يسمعوا بمحمد بوعزيزي ولا يعرفون ماذا يحدث في تونس أو من هي تونس سوى أنها فريق للكرة عادة ما يسبب الحزن لنا. أقسم لنا هؤلاء أن ما فعلوه كان لمشاكل شخصية لا علاقة لها بالسياسة أو بالظلم الإجتماعي أو بالتحريض على الثورة كما فعل المدعو بو عزيزي. هذا النفي المتعمد لأي صفة تحريضية جاء بالطبع لإقناع الناس بالداخل أنْ لا تفعلوها، فمن فعلها يأسف لفعلته. ايضا فعلى الحدق يفهم، فهؤلاء ينفون وهذا يعني أنهم تعرضوا لكل أنواع الترغيب والترهيب حتى ينفوا أي صلة أو معرفة لمحمد بوعزيزي. أنهم لا يعرفون من هو بو عزيزي أمر مؤكد لأننا شعب بقر وجاهل وسنصدق كل القنوات وسنعمل ما يأمرنا به المشايخ في خطب الجمعة؛ وسنشرب اللبن جميعاً وسندخل للنوم مبكراً وتمام سيادتك يا فندم.

 M. ABOUREHAB, Ph.D.
CONSULTANT CLINICAL PSYCHOLOGIST & PSYCHOTHERAPIST